أحاديث صحيحة في فضل الذكر
خمسة أحاديث صحيحة من البخاري ومسلم في فضل ذكر الله: الكلمتان الخفيفتان، سبق المفرّدون، ومجالس الذكر، بتخريج ودرجة كل حديث.
لماذا يخصّ الذكر بهذا القدر من الأحاديث؟
ذكر الله من أيسر العبادات أداءً وأعظمها أجرًا: لا يحتاج طهارة ولا وقتًا مخصصًا ولا مكانًا معينًا، ولا يفوّت صاحبه عملًا آخر؛ فهو يُقال في السيارة، وأثناء انتظار الدور، وقبل النوم، ولهذا وردت فيه أحاديث كثيرة صحيحة تبيّن فضله وأثره، أوسع بكثير مما ورد في عبادات تحتاج جهدًا أو مالًا.
في هذا المقال خمسة أحاديث صحيحة، أربعة منها متفق عليها بين البخاري ومسلم، تكشف بعض ما ورد في فضل الذكر: خفته على اللسان وثقله في الميزان، وفضل من يذكر الله كثيرًا، والفرق بين القلب الذاكر والغافل، وقرب الله ممن ذكره، وفضل مجالس الذكر الجماعية. وقد سبق الأمرَ بها في القرآن قبل ورودها في السنة، فالذكر عبادة جمع القرآن والحديث معًا على الحثّ عليها.
الأمر بالإكثار من الذكر في القرآن
قبل الوقوف عند الأحاديث، يحسن التذكير بأن القرآن نفسه أمر بالإكثار من ذكر الله لا مجرد فعله أحيانًا، قال تعالى مخاطبًا المؤمنين:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا
الكلمتان الخفيفتان على اللسان
وأول ما يبيّن ثقل الذكر في الميزان رغم خفته على اللسان حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم:
كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ
سبق المفرّدون
وفي فضل كثرة الذكر حديث أبي هريرة رضي الله عنه أيضًا:
سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ. قَالُوا: وَمَا الْمُفَرِّدُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ
مثل الذاكر والغافل كالحي والميت
وضرب النبي صلى الله عليه وسلم للفارق بين قلبٍ يذكر الله وقلبٍ غافل عنه مثلًا واضحًا، في حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه:
مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لَا يَذْكُرُ رَبَّهُ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ
أنا عند ظنّ عبدي بي
ومن أعظم ما ورد في الترغيب في الذكر هذا الحديث القدسي، عن أبي هريرة رضي الله عنه:
أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ
ملائكة يتتبعون مجالس الذكر
وفي فضل مجالس الذكر الجماعية حديث أبي هريرة رضي الله عنه:
إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً سَيَّارَةً فُضْلًا، يَتَتَبَّعُونَ مَجَالِسَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا مَجْلِسًا فِيهِ ذِكْرٌ قَعَدُوا مَعَهُمْ
لماذا اقتصر هذا المقال على أحاديث الصحيحين؟
يُروى في فضل الذكر عشرات النصوص، بعضها ضعيف وبعضها موضوع منسوب للنبي صلى الله عليه وسلم كذبًا، وهو باب يكثر فيه هذا النوع من الكلام لأن الناس يتساهلون في نقل ما يُرغّب في الخير دون تحقق من ثبوته.
ولهذا اقتصر هذا المقال على خمسة أحاديث، أربعة منها في الصحيحين معًا وواحد في صحيح مسلم منفردًا، وكلها من رواية أبي هريرة وأبي موسى الأشعري رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة؛ فمن أراد الاستزادة في هذا الباب فليطلبها من كتب السنة المعتبرة لا من رسائل متداولة بلا إسناد.
ماذا نتعلم من هذه الأحاديث مجتمعة؟
تشترك هذه الأحاديث في معنى واحد: أن الذكر عبادة لا تُقاس بجهدها بل بأثرها؛ كلمتان قصيرتان تثقلان الميزان، وذاكرٌ واحد يُعدّ سابقًا، وقلبٌ يذكر ربه يوصف بأنه حي بينما الغافل عنه كالميت، وذاكرٌ يجد من الله قربًا بقدر ما يقدّم من ذكر، ومجلسٌ فيه ذكر تحفّه ملائكة تطلبه.
وأربعة من الأحاديث الخمسة متفق عليها بين البخاري ومسلم، وواحد — سبق المفرّدون — في صحيح مسلم منفردًا، فكلها في أعلى درجات الثبوت التي يُبنى عليها الاعتقاد والعمل، ولا حاجة معها إلى نصوص ضعيفة أو مكذوبة تُنسب أحيانًا لهذا الباب وهي لا تصح.
ومن أراد أن يبدأ بهذا الفضل عمليًّا فأيسر مدخل هو المحافظة على الأذكار المأثورة بعددها: التسبيح والتحميد والتكبير بعد كل صلاة، وأذكار الصباح والمساء، فهي التطبيق العملي لهذه الأحاديث الخمسة مجتمعة.